مضيق هرمز يتحول لورقة ضغط.. طهران تهدد منشآت الطاقة

The Verificat + رويترز
مضيق هرمز يعود محوراً للتصعيد
تصاعد التوتر في الخليج بعدما قالت طهران إن منشآت الطاقة والمصالح النفطية والغازية الأميركية في المنطقة قد تُعرض للرد إذا ما تعرّضت أصول إيرانية لهجمات جديدة، في أحدث فصول المواجهة المتزايدة بين إيران والولايات المتحدة.
وجاء في رسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة أرسلها رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، أن أي استهداف لأصول إيرانية سيقابله رد مماثل، فيما أعلنت طهران أنها تستعد لفرض منطقة جديدة مقيدة للملاحة قرب مضيق هرمز خلال الأيام المقبلة. والتصعيد تزامن مع مواجهات بحرية وضربات متبادلة دفعت بأسعار النفط للصعود إلى أعلى مستوياتها منذ نحو ستة أسابيع.
ما ثبت حتى الآن هو صدور التهديد الإيراني والإجراءات المتصلة بالملاحة، وتأثير ذلك فورياً على أسواق الطاقة. أما مدى قدرة طهران على إصابة شبكة واسعة من منشآت النفط والغاز في الخليج وحجم الضرر المحتمل، فمرتبط بتطور العمليات العسكرية ولا يمكن احتسابه بنتيجة محسومة.
هرمز كأداة ضغط اقتصادية
لا يتطلب الأمر إغلاق المضيق كاملاً لتنتقل الآثار إلى الأسواق العالمية.
كفى أن تتعرقل حركة السفن، أو تفرض مناطق مقيدة، أو يرتفع خطر الاستهداف لتزداد تكاليف الشحن والتأمين ويتغير سلوك ناقلات وعاملين في قطاع الطاقة. ومع كل مستوى جديد من المخاطر، تتحول الأزمة من ساحات العمليات العسكرية إلى أسعار الوقود ومعدلات التضخم وسلاسل الإمداد.
وأظهرت التطورات في الأشهر الماضية أن إيران وسعت فعلياً نطاق تعاملها الأمني مع المضيق وطبقت أنماطاً أكثر تعقيداً لإدارة حركة بعض السفن والعبور البحري. ونقلت رويترز في مايو عن مسؤول في الحرس الثوري أن طهران باتت تنظر إلى هرمز باعتباره «منطقة عمليات» أوسع كثيراً مما كان عليه قبل الحرب.
ومع ذلك، لا يعني إعلان السيطرة الإيرانية توقف الملاحة بالكامل؛ فالسفن لا تزال تعبر، لكن في بيئة أكثر خطورة وتعقيداً، وهو تمييز جوهري بين تعطيل الممر وإغلاقه الكامل.
الأسواق تتحسس المخاطر قبل اشتعال القتال
لم تنتظر الأسواق تنفيذ تهجمات لتنعكس المخاطر على أسعار النفط.
فمع تصاعد المواجهة صعدت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها خلال ستة أسابيع، ووصل خام برنت إلى نحو 97.5 دولار للبرميل في تعاملات السابع من سبتمبر، وسط قلق من اتساع التهديد لمنشآت الطاقة والملاحة في الخليج.
وهذه الحساسية تتجاوز النفط فقط.
فالخليج يعد مساراً رئيسياً لصادرات الغاز الطبيعي المسال أيضاً، والاضطراب في العبور دفع خلال الأيام الماضية إلى تنفيذ عمليات نقل نادرة لشحنات غاز قطري وإماراتي بين السفن خارج المضيق، في محاولة للحفاظ على تدفق الإمدادات إلى الأسواق الآسيوية رغم المخاطر.
وبهذا يتحول كل تهديد جديد في هرمز إلى سلسلة تأثير تبدأ من الناقلة، ثم شركة التأمين، فالمصفاة، ثم محطات الوقود وأسعار السلع وخدمات النقل في دول تبعد آلاف الكيلومترات عن الخليج.
دول الخليج تبحث مخارج لتقليل التعرض
الخطر لا يقتصر على واشنطن وطهران فحسب.
فالبلدان الخليجية المنتجة للطاقة تتحمل أيضاً كلفة أي اضطراب طويل في المضيق، حتى عندما لا تكون طرفاً مباشراً في المواجهة العسكرية.
وقالت الإمارات إنها تعمل على تعزيز مسارات بديلة لصادرات الطاقة والتجارة عبر توسيع قدرات موانئ خارج الخليج وتطوير خطوط أنابيب وممرات لوجستية لتقليل الاعتماد على هرمز. ونقل عن المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي أنور قرقاش قوله إن صادرات بلاده واقتصادها لا يمكن أن تبقا «رهينة» للحرب.
لكن البدائل لا تلغي أهمية المضيق في معادلة الطاقة العالمية.
خطوط الأنابيب والموانئ البديلة قد تخفف جزءاً من الضغوط، لكنها لا توفر فورياً القدرة الكاملة لما يمر عادة عبر هرمز، ولهذا يبقى أي اضطراب واسع في المضيق حدثاً يتجاوز حدود الخليج.
أوراق ضغط متبادلة وتكاليف على إيران نفسها
استراتيجياً يمنح هرمز طهران ورقة ضغط قوية، فرفع مستوى المخاطر في ممر حيوي للتجارة العالمية يجبر الخصوم على احتساب كلفة أي ضربة ليست من زاوية الخسائر الميدانية فقط، بل من زاوية تقلبات النفط والتضخم والأسواق.
ومع ذلك، هذه الورقة ليست بلا ثمن لإيران.
فالاقتصاد الإيراني يواجه عقوبات وقيوداً على صادرات النفط، والولايات المتحدة شددت القيود على طرق بيع الخام الإيراني والوصول إلى العملات الصعبة والتمويل الخارجي. وتفيد تقارير رويترز بأن هذه الضغوط بدأت تضيق المساحة الاقتصادية المتاحة لطهران، مما يجعل استمرار المواجهة البحرية مكلفاً لها أيضاً.
وهنا تبرز المفارقة: كلما زادت إيران الضغط على هرمز، زادت قدرتها على إيلام خصومها، لكنها ترفع في الوقت نفسه كلفة الحرب على اقتصادها وعلى دول الجوار التي تسعى إلى تجنب مواجهة مفتوحة.
واشنطن توازن بين اعتبارات عسكرية وداخلية
بالنسبة للولايات المتحدة، تتجاوز القضية حماية الملاحة أو قواتها في المنطقة.
فارتفاع أسعار النفط والوقود أصبح مسألة داخلية تؤثر على المستهلكين والضغوط السياسية، لا سيما قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، بعد أن انعكست التطورات على أسعار البنزين ومؤشرات التضخم.
وهذا يضع واشنطن أمام معضلة: الرد العسكري قد يعزز الردع لكنه قد يدفع إيران لتوسيع استهداف منشآت الطاقة أو الملاحة، ما يرفع كلفة الصراع اقتصادياً؛ وعدم الرد قد يُفسَّر في طهران كتراجع في مستوى الردع.
وبالتالي تدخل ناقلات النفط وأسعار البنزين وحركة شركات التأمين ضمن حسابات الردع نفسها.
شبكة تصاعدية: من البحر الأحمر إلى هرمز
الخطورة تكمن في أن هرمز لا يعمل منعزلاً عن بقية جبهات التوتر.
فالتوترات تتزامن مع ضغوط في البحر الأحمر وتهديدات لممر باب المندب، وتصعيد على الساحة اللبنانية واستمرار بؤر الصراع الفلسطينية، ما يعني أن اثنين من أهم الممرات البحرية المرتبطة بالطاقة والتجارة العالمية قد يتعرضان للضغط معاً.
وفي حال ترافق اضطراب هرمز مع تعطيل واسع في باب المندب، تتقلص خيارات شركات الشحن، وتزداد كلفة ومدة نقل الطاقة والسلع بين آسيا وأوروبا.
وهذا يبيّن كيف يمكن لحادث محلي في الخليج أن يتحول سريعاً إلى أزمة ذات أبعاد عالمية.
ما نعرفه وما يبقى غير محسوم
FACT: إيران هددت بالرد على أي هجمات أميركية جديدة، وأعلنت توجهاً لفرض منطقة جديدة مقيدة للملاحة قرب هرمز.
FACT: أسعار النفط ارتفعت بقوة مع التصعيد، فيما تأثرت عمليات نقل النفط والغاز والتأمين البحري.
FACT: دول خليجية، وفي مقدمتها الإمارات، تعمل على توسيع طرق بديلة لتقليل الاعتماد على المضيق.
CLAIM: إيران تقول إنها قادرة على ضرب سلسلة واسعة من منشآت الطاقة إذا تعرضت أصولها لهجمات جديدة.
ANALYSIS: حجم الضرر الذي يمكن أن تحدثه طهران، وقدرتها على المحافظة على ضغط مستمر على حركة الملاحة، يعتمدان على تطور العمليات العسكرية وردود الولايات المتحدة ودول المنطقة.
هرمز كاختبار للردع
المواجهة في الخليج تجاوزت إطار اشتباك عسكري ثنائي بين إيران والولايات المتحدة.
الممرات البحرية والطاقة وأسعار النفط أصبحت جزءاً لا يتجزأ من منظومة الردع: كل صاروخ قد يرفع سعر البرميل، وكل ناقلة تتوقف أو تغير مسارها قد ترفع كلفة التأمين، وكل منطقة بحرية جديدة تُفرض عليها قيود تتحول إلى رسالة سياسية أبعد من حدودها الجغرافية.
لهذا تبدو الأزمة في هرمز أخطر من مجرد مواجهة بحرية؛ إنها امتحان لقدرة الأطراف على توظيف الضغط دون تحطيم الممر الذي تعتمد عليه اقتصاداتهم.
وكلما طال هذا الامتحان، تقل المسافة بين الردع المحسوب والخطأ الذي يحول الخليج إلى أزمة طاقة عالمية مفتوحة.



